محمد كرد علي

316

خطط الشام

الضيف والقاصد وحماية الضعيف والملتجئ ، حتى إذا وقع أحد أفراد قبيلتهم بمثل هذا الأمر الذي يكثر حدوثه لديهم يتقاضى ما أسلفه . وقد قويت هذه المزية فيهم حتى ضرب بكرمهم المثل ، وفاقوا به سائر الأمم . وإن مطاوي التاريخ العربي مستفيضة بأقاصيص كرماء العرب وكرمهم العجيب . والبدوي يعتقد أنه لا ذكر له ولا إرث أفضل من سمعة الكرم والجود . وإن هذه المزية لا تزال عند بدو الشرق العربي على ما كانت عليه في زمن أجدادهم الجاهليين . فلا يحل ضيف بيت أحدهم غنيا كان أو معدما ، إلا ويسرع لتهيئة كل ما يرضيه ويسره ، وإن الكثيرين منهم يضطرون إلى تحمل أعباء الدين الثقيلة لإرضاء قاصدهم . وإذا استأمنهم مستأمن على أمانة فدوا لحفظها أموالهم وأولادهم وأنفسهم ، وكذلك إذا التجأ إليهم خائف ، أو استجار بهم مظلوم ، أو نزل عليهم موتور مطرود » . رأي في الأخلاق الشامية : تمثل الأمم في العادة طبقتان من أبنائها « الوسطى والعليا » . والطبقة الدنيا وهي طبقة العامة مستتبعة لا متبوعة ، لأن ما هي فيه من تأخر أسباب الحياة ، لا يترك لها مجالا للتفكير في شيء ، غير ما يقع تحت حسها مباشرة ، وتشتد حاجتها الطبيعية إليه . وقد تقلد الطبقة السفلى الطبقة الوسطى تقليدا خفيفا لا يكاد يشعر به ، وتقليد الطبقة الوسطى الطبقة العليا أشد ظهورا من تقليد الدنيا للوسطى . وتتجلى في الطبقة العليا مظاهر السعة في العيش ، والبسطة في العلم أو الحضارة ، وهي أبدا حريصة على مكانتها ، تحاذر سقوط شأنها من أنظار الطبقتين التاليتين ، وتعد السؤدد كل السؤدد ، ما هي فيه من جاه ومال ومجد وعلم . يعد من الطبقة العليا العلماء والعظماء والقواد وأرباب الأموال ، ممن يسيرون الجماعات إلى حياتها أو موتها ، وينفثون في روعها ما يرفع مستواها العقلي ، ويطهرون نفوسها من الآثام والآلام ، وبأيديهم زبدة ثروة الأمة وجهودها ، وإليهم منتهى ما بلغته قرائح أبنائها يمثلون التسلسل في الفكر ، وتتجسم فيهم الإرادة الثابتة والعزيمة الصحيحة ، وهم صورة البيوت الخالدة